الخطر في هذا المقال أنه يعتمد على أنصاف
الحقائق، ويقتصر عليها؛ فيظن قارئه أن لما يبني عليها من آراء وجها من الصواب؛ وأنه
لم يزدْ على أنْ نقل نصوصا من مصادر، مسلَّم بمجمل ما فيها، عند المسلمين، وبيَّن معانيها
التي يغفلون عنها، أو يحملونها على غير ما ينبغي أن تحمل عليه، بسبب ما ألِفُوا من
تقديس الأشخاص تقديسا يحول دون فهم أفعالهم فهما مجردا من التعصب، وما تقتضي العقيدة
الدينية.
والاعتماد على أنصاف الحقائق سبب قديم من
أسباب الضلال: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله)، وأضرُّ ما يكون بأنصاف
المثقفين، الذين يقعد بهم علمهم وفكرهم عن البحث والتحقيق، فيقتصرون على قراءة ما يجدون
في وسائل الإعلام، وما شاكله من الكتابات غير العلمية، فيسلِّمون به، ثم يعسر عليهم
-إذا اقتنعوا- أن يتراجعوا، ولا سيما إذا كانوا من الأحداث المتطلعين إلى الصيت، ويعجبهم
أن يُنْسَبُوا إلى الحداثة والتحرر، وغيرها من الصفات التي خَلَبت ألباب من لا يتعقَّلون،
ونزع حبها ببعضهم إلى الإلحاد، في الأعوام الأخيرة. من أجل ذلك رأيت أن أكتب هذا المقال،
لا ردًّا على الكاتب، بل تبيانا لحقيقة ما اشتمل عليه مقاله من نصوص، يكثر توظيف مثلها
في الكتابات غير العلمية التي تتغيا تشويه الإسلام وتاريخه.
والمقال ردٌّ على فئة من المجتمع البيضاني
متدينة، ترى أن يُميَّز الدين من التدين، أي أن يميز الإسلام من العادات، وما فيها
من سلبيات، وأنْ لا معيار في الإسلام إلا التقوى، ولا تفاضُلَ إلا بالأعمال، كما هي
فحوى كثير من نصوص الشرع، كقول الله -تعالى-: (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى
وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). والذي يترتب على هذا الرأي
هو الاستمساك بالدين، والجد في إبطال ما يخالفه من التدين (العادات). ويرى المقال أن
الدين هو مصدر التدين، ومصدر ما حاق ببعض البيضان من الظلم والتمييز؛ فمن شاء أن يتحرر
من الظلم والتمييز، فعليه أن يتحرر من الدين: "الذي يعاني يجب أن يكون صريحا مع
ذاته في سبب معاناته، مهما كان السبب. إذا كان الدين يلعب دورا، فلنقلها بأعلى صوت:
يلعب الدين، ورجال الدين، وكتب الدين أدوارهم في كل القضايا الاجتماعية، قضايا لحراطين، ولمعلمين، وإيكاون، الذين لا زالوا
صامتين رغم أن الدين يقرُّ بأن مأكلهم حرام، ومشربهم حرام، وعملهم حرام". والمقال
كله يدور على إثبات هذا الرأي، ونقْض ما ترى تلك الفئة التي استهل بعرض رأيها، قبل
أن يكر عليه فينقضه: "لا علاقة للدين بقضيتكم، أيها لمعلمين (كذا) الكرام، فلا
أنساب في الدين، ولا طبقية، ولا "أمعلمين"، ولا "بيظان"، و[لا] هم يحزنون، مشكلتكم، إن صح ما تقولون، يمكن
إدراجها فيما يعرف بـ"التدين"، تلكم أطروحة جديدة، وقد وجدت من بين لمعلمين
أنفسهم من يدافع عنها". ثم يشرع في تبيان أطروحته هو: "دعونا الآن نعود للدين
والتدين، حتى نتبين موقع الأنساب، والطبقية من الدين"، فإن منزلة النسب والطبقية
من الدين إذا عرفت، عُرِفت منزلتهما من التدين، وعرف صواب تلك "الأطروحة الجديدة"
من خطئها. ثم أورد من أخبار العهد النبوي (عهد الدين) ما يرى أنه دليل على منزلة النسب
والطبقية من الدين، وهي منزلة لا تختلف عن منزلتهما من "التدين". حتى إذا
فرغ من تحليلها، وتبيان دلالتها على ما يذهب إليه، قال لأصحاب "الأطروحة الجديدة":
"أريد فقط أن أصل معكم -وأخاطب لمعلمين أساسا- أن محاولة التفريق بين روح الدين
وواقع التدين هي محاولات "طيبة، لكنها لا تنافس" (لا يمكن إثباتها)، فالحقائق
لا يمكن طمسها: هذا الشبل/ البيظاني من ذاك الأسد". أي: هذا "التدين"
من ذاك الدين، وأصل ما تعرفون من تمييزٍ في مجتمعكم ما قرر النبي -صلى الله عليه وسلم-
من تمييز قريش من بني قريظة اليهوديين، ووحشيٍّ الحبشي: "الأخوَّة وعلاقة الدم
والقربى تمنح حق الرحمة لقريش في الفتح، وتحرم بني قريظة من ذلك الحق. وكل هذه الأمور
تتم في عصر الدين، فما بالك بعصر التدين؟". وقريش، وبنو قريظة، ووحشي -في هذا
النص- رموز لعناصر البيضان الثلاثة. هذه هي فحوى المقال، وغايته التي يتغيَّا.
وفي المقال أخطاء منهجية، ترتب عليها الخطأ
في فهم ما أورد من أخبار، وخطأُ ما انتهى إليه من نتائج. فمن الأخطاء المنهجية الاقتصار
على الحادثة معزولة عن سياقها التاريخي والديني والأخلاقي، ومقاصدها الشرعية، وعدم
التثبت من صحة بعض الأخبار، والجزم بصحة ما ليس بصحيح منها، وتفسير الحوادث تفسيرا
يعتمد على توجيه النيات، بمعزل عما يحفُّ بها من قرائن، تدل على خلاف ما أنهاها إليه،
والإسقاط، إسقاط المشاعر والثقافة على حوادث، تنتمي إلى ثقافة أخرى، ومن أسقط على تاريخٍ
ثقافةً أو مشاعر غير ثقافة أهله ومشاعرهم، زوَّر، والانتقاء، أي انتقاء جانب من الأخبار،
يخدم ما قرر المقال سلفا، دون جانب، وإنكار حقائق التاريخ المجمع عليها، من غير برهان،
بالغا ما بلغ من الضعف. هذا إلى انتحال الآراء والنصوص، والإحالة على غير ما اطلع عليه
من المراجع، والاكتفاء بإحالة غيره إليها، وإن لم تشتمل على النص الذي يشير إليه، أي
إنه يتابع مراجعه في التدليس. وسأقف بالنقد والتحليل عند الأخبار التي استشهد بها.
أولا- أسرى بدر
يرى المقال أن النبي -صلى الله عليه وسلم-
قَبِلَ الفداء من أسرى قريش يوم بدر، ولم يقتلهم؛ لأنهم أهله وعشيرته، وقتل بني قريظة،
يوم ظفر بهم؛ لأنهم لم يكونوا كذلك، على ما بين جرْم القبيلتين: "قريش واجهت المسلمين
في أكثرَ من معركة، وحاصرتهم حصارا شديدا في الخندق، وفي بدايات الدعوة انتدبت أربعين
شابا لقتل محمد [صلى الله عليه وسلم] ليلة الهجرة، وقبل الهجرة، وفي مكة، قتلوا وعذبوا
المسلمين أشد تعذيب، وفي فتح مكة وجدوا أمامهم "أخا كريما وابن أخ كريم"،
فقال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". بني (كذا) قريظة فقط همُّوا بالتحالف
مع المشركين، فكان جزاؤهم القتل الجماعي".
وهذا التفسير مبني على أمرين:
1- ما يرى المقال من وجوب المساواة بين
قريش وبني قريظة في المعاملة، ووحشي بن حرب وخالد بن الوليد في الألقاب، بحيث يسمى
وحشي "حربة الله التي لا تخطئ الهدف"، كما سُمِّيَ خالد بن الوليد
"سيف الله"، وإن لم يكن لتلقيب وحشي بهذا اللقب معنى، ولا لتسويته بخالد
بن الوليد مسوغ، والمساواة بين هند ووحشي في أمرهما كليهما بتغييب وجهيهما عن النبي
-صلى الله عليه وسلم-، وإن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يرى وجه هند أصلا.
2- إنزال النبي -صلى الله عليه وسلم- منزلة
البشر العاديين، بما يكون فيهم من عنصرية، وما يقودهم إليه الهوى من أعمال غير أخلاقية.
ومن اليسير أن يحمَّل الفعل ما يحتمل، من
الناحية النظرية، ومن غير اليسير أن يدلل على أن ما يُحَمَّله هو معناه حقا، فضلا عن
أن يكون هو معناه الأوحد، و"الدليل القاطع يتطلب لقبوله أكثر من كونه ممكنا"،
(مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية، 1/ 131)، و"إذا أردنا أن نصحح
الأغلاط المكتسبة من الماضي بصدد محمد [عليه الصلاة والسلام]، فيجب علينا في كل حال
من الحالات التي لا يقوم الدليل القاطع على ضدها أن نتمسك بصلابةٍ بصدقه" (الموضع
السابق)، كذلك يقول المستشرق الإنجليزي، مونتقمري وات، في انتقاد منهج المستشرقين،
وبيان المنهج الذي ينبغي أن تدرس به سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله، إن أريد
للدراسة أن تكون علمية؛ إذ الأصل في منطق العلم أن يُتوَسَّل إلى فهم الفعل بما عُهِد
من الفاعل، وما أثر عنه من قول، وما عرف به من فكر وأخلاق، إلا أن يتبين ألا وجه للتوفيق
بين الفعل والقول والفكر والأخلاق. ومن تعجَّل النقد قبْل الفقه، ضرب القول بالقول،
والفعل بالفعل، غير معتدٍّ بالمقاصد، ولا ناظرٍ إلى ما بين المقامات من تباين، فنسبَهما
إلى التناقض، فكان عمله على البساطة أدلَّ منه على الوعي والنضج؛ فيكون التكذيبُ، وسوء
التفسير، وحملُ الفعل والقول على خلاف ما ينبغي أن يحملا عليه:
وكم من عائبٍ قولا صحيحا وآفته من الفـهم السقيم
ولـكن تأخـذ الآذان مـنـه على قدر القرائح والعلوم
هذا إلى أن من كان مدفوعا بغايات محددة
سلفا، كان لزاما ألا يفهم الأشياء إلا كما تقتضي الغايات، فمن قرر أن الدين مبني على
التمييز والعنصرية، كان حتما ألا يعدَّ قبول النبي -صلى الله عليه وسلم- الفداء من
قريش يوم بدر، وعفوه عنهم يوم الفتح إلا تمييزا وإيثارا لذوي القربى، إلا أن يعفو عن
بني قريظة. ولو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل أسرى قريش، وأباد أهل مكة يوم فتحها،
لكان من اليسير على من قرَّر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان حقودا أن يحمل فعله
على التشفي والانتقام من قريش؛ لأنهم آذوه قبل الهجرة، وحاربوه بعدها. وكذلك يمكن أن
يفهم دعاء نوح -عليه السلام-: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا)، وأن يحمل قول
إبراهيم -عليه السلام-: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنّهُ مِنّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنّك
غَفُورٌ رَحِيمٌ)، وقول عيسى -عليه السلام-: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك
أنت العزيز الحكيم)، على التعصب للأهل والعشيرة. ومن تجرد من شعوره، وثقافته، واعتمد
منهج العلم، قوَّم أفعال الأنبياء بمعزل عن كل شيء إلا السياق الذي أُوقِعَت فيه، وما
يقتضي المأثور من أقوالهم، والمعروف من تاريخهم وأخلاقهم، وما عرفوا به من تجرد للخير
والحق، وإخلاص لله، وحبٍّ لقومهم، وحرص على هدايتهم، فإن الذي علل به سيدنا نوح -عليه
السلام- دعاءه هو: (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)، فتفسيره
بحب الانتقام والتشفي عدول عن المنطوق الذي يُحَسُّ ويمكن الحكم عليه، إلى النية التي
لا يعلمها إلا الله. ومعلوم في علم المنهجية (الإبستمولوجيا) أن الحكم لا يكون علميا
إلا إذا أمكن اختباره، وأن الحكم على النية ليس مما يمكن اختباره، فليس بعلمي. ووضع
ما أورد المقال من الأخبار في سياقه الصحيح يكشف عن غير ما انتهى إليه. فعدول النبي
-صلى الله عليه وسلم- عن قتل أسرى بدر كان مدفوعا بدافعين: ما فطر عليه النبي -صلى
الله عليه وسلم- من اللين والرحمة، كما قال فيه ربه: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو
كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)، ونفْعُ من معه من المسلمين وتقويتهم بما يأخذون
من الفداء. أما القرابة، فلم يكن لها أثر في ذلك، ولا في شيء من حياة النبي -صلى الله
عليه وسلم- خارج ما قرر الشرع. وكان المقام -إلى ذلك- مقام فرقان، كما سماه الله:
(وما أصابكم يوم الفرقان يوم التقى الجمعان). ولما عاتب الله المسلمين على قبول الفداء،
لأن الأولى يومئذ أن يقتل المشركون حتى يُرْهَب بهم أعداء الله، عاتبهم على أخذ الفداء،
وجعله من حب الدنيا: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة)، ولم يعاتبهم بأنهم أرادوا
غير ذلك، ولو علم غير ما عاتبهم به، لبينه لهم، وهو أعلم بما تخفي الصدور، كما بينه
في آيات أخرى، كقوله: (يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا
الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم
وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن تروضها أحب إليكم
من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين). وقبول الفداء دليل على نبل النبي -صلى الله عليه
وسلم- وكرمه، وسلامة صدره من الحقد، ورغبته عن الثأر والانتقام الذي هو خليقة في الإنسان،
كما يدل على لينه ورحمته ورفقه بالناس، وحرصه على هدايتهم؛ فقد عفا عمن آذوه، وأخرجوه
من أهله ووطنه، فلما قدر عليهم لم يأخذهم بما يقتضي سوء معاملتهم، وإنما رضي منهم بالفداء،
لعل الله أن يهديهم إلى الحق، والهداية هي غاية الرسالة، وراعى حاجة المجاهدين، ولا
سيما المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، فكانوا عالة على الأنصار بالمدينة،
بأن أباح لهم أخذ الفدية، ليتقووا بها.
ولما كانت غزوة بدر أول غزوة يأسر فيها
المسلمون أسرى، ولم يكن قد نزل عليه حكم في الأسرى، استشار -صلى الله عليه وسلم- أصحابه
فيما يفعل بهم، فقال له أبو بكر: "يَا نَبِىَّ اللَّه، هُم بنو العمِّ وَالعشيرة،
أَرَى أَن تَأخذَ مِنهم فِديَة، فَتَكونُ لَنَا قوَّة علَى الكفار، فَعَسَى اللَّهُ
أَن يَهدِيَهُم لِلإِسلاَمِ". (صحيح مسلم). وإنما ذكَّره أبو بكر بالرحم والقرابة
استعطافا وتليينا له، كما قال الواقدي: "وَأَبُو بَكْرٍ يُلَيِّنُه وَيَفْثَؤُهُ".
والإحسان إلى ذوي الرحم، والعطف عليهم، واللين لهم أمر مشروع، فقد قال الله -تعالى-:
(واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام). وهو مما فطر عليه البشر، بل مما فطر عليه
الحيوان، وصلة الرحم، والإحسان إلى ذوي القربى، والبدء بهم قبل غيرهم مما حض عليه الشرع،
وأثاب عليه، كقول الله تعالى: (وآت ذا القربى حقه)، (والجار ذي القربى والجار الجنب)،
(قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين)، (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين
إحسانا وبذي القربى)، "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة"،
"خيركم خيركم لأهله وأنا خير لأهلي"، يقول القرطبي: "وخير الصدقة ما
كان على القريب، وفيها صلة الرحم، وقد فضل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصدقة على
الأقارب على عتق الرقاب، فقال لميمونة وقد أعتقت وليدة: أما إنك لو أعطيتها أخوالك،
كان أعظم لأجرك. وقال مجاهد وقتادة: صلة الرحم فرض من الله -عز وجل-، حتى قال مجاهد:
لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة". وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه برا وصولا،
محبا لقريش، ولذلك قال أسرى بدر، كما روى الواقدي: "لو بعثنا إلَى أَبِي بكر،
فَإِنّه أوصل قريش لأرحامنا". ومدح النبي -صلى الله عليه وسلم- عمه العباس بأنه
"أشد قريش لقريش حبا"، و"أنه أجود قريش كفا، وأوصلها". وفي إحدى
روايات حديث المعراج يقول جبريل للنبي -صلى الله عليه وسلم-، لما سأله عن النبي الذي
رآه في السماء الخامسة: "هذا المحبَّب في قومه، هارون بن عمران"، وهي منقبة
من مناقبه، ولا يكون محببا فيهم إلا ببر وإحسان. وحب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي
بكر لقريش، وبرهم بهم مما يمتثلان به أمر الله. وإنما المذموم خلُقا، والمحرم شرعا
أن يعطي مَنْ لا يملك أقرباءه ما لا يستحقون، وأن يوادَّهم ويتولاهم وهم يحادون الله:
(لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم
أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم). وقد قاتل النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر عشيرته،
وفيهم أقرب الناس إليه (بنو عبد مناف)، فقتل منهم سبعين، وكان يبرأ من عمه أبي لهب،
وفيه نزلت سورة من دون من كانوا يعادونه من الناس. وكان أبو بكر أبعد الناس عن العصبية،
وموالاةِ من يعادي الله، وفي بعض الروايات أنه بارز ابنه عبد الرحمن يوم بدر، وكاد
يقتله، وأن الآية السابقة نزلت فيه. وليست رحمته بأسرى قريش موادةً لهم؛ فقد كانوا
يحادون الله ورسوله، ولا عصبية؛ فما كان ليقاتل بكره في ذات الله ثم يواد من هو أبعد
منه، على سبيل العصبية، ويحرص على استبقائه من أجل القرابة. وإذا كان من غير الممكن
أن يكون عمر مدفوعا بحقد على قريش، إذ قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "أرى أن
تمكنَّا فنضربَ أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل، فيضرب عنقه، وتمكنِّي من فلان (نسيبا
لعمر) فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها"، (رواه مسلم)؛ وإنما ينظر
للإسلام والمسلمين، ويرى أن يضرب أهل الشرك حتى يرهب بهم المشركون، ويلقى في قلوبهم
هيبة المسلمين، فكذلك كان أبو بكر، أيضا، ينظر للإسلام، فهو يرجو أن يسلم هؤلاء الأسرى،
فيكونوا عزا للإسلام وعونا للمسلمين، وينقذهم الله بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من
النار، وتكون الفدية عونا للمسلمين على الكفار. وهو ما أراد النبي -صلى الله عليه وسلم-،
ولم يرد غيره، وهو ما آل إليه حكم الشرع في الأسرى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب
حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء)، وأشارت آية الأنفال المعاتِبة
إلى أنه هو الذي كان مقدرا في علم الله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب
عظيم)، أما رأي عمر، فهو الذي عبرت عنه الآية: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن
في الأرض). وقد كان أبو بكر وعمر متأثرين بتكوينهما النفسي الذي ينزع بكل امرئ إلى
ما يلائمه من اللين والشدة، وهما -كما قال فيهما النبي -صلى الله عليه وسلم-:
"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر"، وليس فيهما من كان مدفوعا
بعصبية لقريش ولا عصبية عليها، فلين النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر لين في الله،
وشدة عمر شدة فيه. ورقة النبي -صلى الله عليه وسلم- لعشيرته وعطفه عليها وحبه لها لا
يترتب عليهما إيثار لها، ولا مخالفة لحكم الله فيها، فإن الميل أمر قلبي لا يد للمرء
فيه، وإنما يؤاخذ بما يفعل، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "اللهم
هذا قسْمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك"، فهو يعدل بين أزواجه في القسمة،
والعدل فيها مما يملك، ولا يسوي بينهن في الحب؛ لأنه مما لا يملك، وكذلك حب العشيرة،
وما يضع الله لها في القلب، لا يد للمرء فيه، لكنه لا يتجاوز القلب إلى ما وراءه، إلا
فيما فيه مرضاة الله. وإنما يصح وصف العفو عن قريش بالمحاباة، لو كان في الأسرى أناس
من غير قريش، فمنَّ على القرشيين، أو قبل الفدية منهم دونهم.
أما موازنة فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-
بأسرى بدر بفعله ببني قريظة، فقياس مع الفارق، ولو وازن ما فعل بأسرى بدر بما فعل ببني
النضير وبني قينقاع، لكان ذلك أدنى إلى الصواب، فإنه لما قدر عليهم، عفا عنهم، وألزمهم
الجلاء من المدينة. وقد غفل المقال عن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- منَّ على بني
قريظة بعد انتصاره عليهم أول مرة، ولم يأخذ منهم فدية، وإنما رضي منهم بالعهد، وأمَّل
أن يكونوا جيرانا، يأمن شرهم، بعهد أن يئس من أن يكونوا مواطنين يرجو خيرهم، فلما نقضوا
العهد في المرة الثانية، عاملهم بما يقتضيه نقض العهد. فمعاملته نبي قريظة في المرة
الأولى كانت أفضل من معاملته أسرى قريش، أما المعاملة الثانية، فإنما ينبغي أن تقارن
بمعاملة قريش يوم الفتح.







0 التعليقات:
إرسال تعليق